مجلة الهدى تاريخ وتأريخ

الهُدى صوت الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مِصر، وتاريخُ أمةٍ حمل الكثير من الحقائق والعِبر، وقد عبَّرت “الهدى“، عن واقع وأحلام وتطلعات الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة، وحتى نَفي “الهدى” حقها، يحتاج الباحث في رحلة تاريخها منذ أن بدأت كجريدة أسبوعيّة، ثم مجلة نصف شهرية، وصولًا لإصدارها مجلة شهريّة، لمزيد من الدراسات، ولعددٍ وافر من المقالات والأبحاث، لنتعرف على فلسفة إصدارها، واللغة التي استخدمتها، ورجالاتها الذين قاموا على إصدارها وتوزيعها، الخ؛ لكنَّ حديثنا في هذه المقالة سيكون مقصوُرًا على تتبع المراحل الزمنيّة والتحولات التي مرَّت على “جريدة الهدى“، ومتى تحولت إلى “مجلة الهدى“، وكمّ الإصدارات والأعداد التي شكَّلت رحلة الهدى عبر تاريخها، وأيضًا سنكتشف الرقم الصحيح لعدد “الهدى“، الذي بين يديك؛ وسنتعرَّف أين ومتى حدث الخطأ الذي أهمل وأسقط ما يزيد على الألفي عددٍ صدرت من “الهدى“؟
لعلك قرأت عزيزي القارئ، ولفتَّ نظرك الرقم الغريب الذي تزيَّنت به “مجلة الهدى” على صدر غلافها هذا الشهر، والذي حمل رقمًا جديدًا هو 3876، وربما تساءلتُ لماذا هذا التغيير؟ ماذا حدث؟ فقد حَمِل العدد السابق مباشرة، وهو الصادِر عن الشهور من (يوليو إلى ديسمبر 2025)، رقمًا 1270 – 1275؛ وكان من المنطقي، والمُفترض أن يأتي عدد هذا الشهر مُعنونًا بالرقم 1276، كما أنَّه من المُفترض أيضًا، أنَّ هذه هي السنة الخامس عشر بعد المئة لإصدار “الهدى“، وليست السنة الرابعة والثلاثين بعد المئة، فماذا حدث، وما هي الحكاية؟
إنَّ الرقم (3876)، المُتصدر على صدر “مجلة الهدى” هذا الشهر هو الرقم الصحيح، وإن كُتِبَ الرقم (2489) كان الرقم صحيحًا أيضًا؟[1]، وأيٌ من الرقمين صحيحًا تاريخيَّا، وذلك التصحيح لم يأتِ من رغبةٍ في إضافة أرقامًا أو أعدادًا غير حقيقيّة لمجلتنا العريقة، وإنما تصحيح ما أخطأه التأريخ، وقد جاء هذا التصحيح بعد رحلةٍ مُضنيّة من البحث والتأصيل والتوثيق لتاريخ أقدم مجلة مسيحيّة إنجيليّة مشيخيّة سيارة إلى الأن.
إطلالة تاريخيّة الصحافة الإنجيليّة قبل الهدى
إنَّ ما تعْرِفه الأغلبيّة العُظمى مِنَّا، أنَّ مجلة “الهدى“، صدر عددها الأول صبيحة يوم الجمعة الموافق 6 يناير 1911م، وهو ما يُمثِّل المائة وخمسة عشرة عامًا، لكنَّ العارفين بالتاريخ يُدركُون أنَّ عمر “الهُدى” تجاوز المائة والثلاثين عامًا، كما أنَّ عددها الأول حَمِل مُسمى “جريدة“، وليس “مجلة“، وكان اسمها “جريدة الهدى .. جريدة أدبية أسبوعيّة“، وبالطبع كانت تصدُر جريدة أسبوعيّة، وليس مجلة شهريّة.
وتبدأ حكاية الاهتمام الإعلامي بالعمل الصحفي، منذ أكثر من مائة وستون عامًا، حيث سجَّل الإنجيليون سبقِهم وريادتهم لهذا المجال، هذا ما يُسجِّله فيليب طرازي في كتابه “تاريخ الصحافة العربيّة“[2]، شارحًا كيف عرفت منطقتنا طريقها إلى الصحافة، وقد كانت القاهرة في عام 1799م، أول مدينة عربيّة تشهد إصدار أول جريدة ناطقة باللغة العربيّة، واسمها “الحوادث اليوميّة“؛ أعقبها صدور جريدة “الوقائع المصريّة” في عام 1828م، كما أصدرت الدولة الفرنسيّة عام 1847م، جريدة “المُبشِّر“، وقد تلقَّف المسيحيون في الشام فكرة إصدار الجرائد، فبادر المُرسلون الأمريكان وأصدروا في عام 1851م، مجلة “مجموع الفوائد“، وكان يُديرُها القس عالي سميث[3]، ولم يلبث الأمر طويلًا حتى أصدَّر المُعلم بطرس البستاني[4] جريدة “النفير” في عام 1860م، ومن ثمَّ أصدرت الإرساليّة الإنجيليّة جريدة أخرى هي: “النشرة“[5] اللبنانيّة، في عام 1863م، وهي ما زالت تصدر حتى الأن؛ وتاليًا، أسس دكتور واطسن أول عمل صحفي إنجيلي مشيخي مصري، ليشهد صبيحة يوم الجمعة 14 ديسمبر 1892م، انطلاق جريدة “النشرة الإنجيليّة المصريّة“[6]، وسبقُ في ذلك أقدَّم الجرائد المعروفة حتى الآن، وهي: “جريدة الأهرام المصريّة”[7]، التي تأسست عام 1875م. وبهذه الانطلاقة نجدُ أنَّ العمل الإعلامي الإنجيلي مثَّل رافدًا رائدًا وهامًا في تاريخ صحافة الشرق الأوسط.
ترأَّس تحرير الجريدة الإنجيليّة الوليدة “النَّشرة الإنجيليّة المصريّة“، طيب الذكر الشاعر الأستاذ عطية شمس. واستمرت رحلة تلك الجريدة حتى نهاية عام 1893م، ومع صبيحة يوم الجمعة 5 يناير 1894م، تغير اسمها ليُصبح “المُرشِد“، وهذا ما سجَّله شمس رئيس تحرير “المُرشِد” في عددها الأول، قائلًا:

“قد اخترنا اسم المرشد من بين الأسماء التي اتحفنا بإرسالها أعزاءنا قراء جريدتنا ليكون اسمًا لها بدل “النشرة الإنجيليّة المصريّة“، وذلك بالأخص نظرًا لكون اسم النشرة خاصًا بأخوتنا في بيروت!”.
ثم يستطرد شمس قائلًا: “فالورقة التي تعوَّد مشتركونا الكرام أن يروها ويقرأوها في السنة الماضية باسم “النشرة الإنجيليّة المصريّة“، ها نقدمها اليوم هذه السنة باسم “المُرشد” بصفاتها وغاياتها ومواضيعها كما هي، وسنجتهد في تحسينها أكثر فأكثر آملين أنَّ الذي وعد شعبه بإرسال روحه القدوس للإرشاد والتعليم يؤازر أتعابنا بالنجاح والفلاح لنرتشد ونرشد في طريق الحق عينه لمجد فادينا وخلاص كل مَن يقبل إليه بإيمان الحي الفعَّال”[8].
وفي عام 1908، استقال شمس، ليتولى من بعده طيب الذكر “الشيخ متري صليب الدويري” رئاسة تحرير جريدة “المُرشد“، وجريدة “نجم المشرق” أيضًا، التي كانت معنيّة بمدارس الأحد، وقد استمر الدويري يُدير ويرأس تحرير جريدتيّ/مجلتي الكنيسة “المُرشِد/الهدى” و “نجم المشرق” مدة إثنين وأربعين عامًا.
انطلاق رحلة “جريدة الهدى”
مع بداية عام 1911م، تغيَّر اسم جريدة “المُرشِد” ثانيّة ليُصبح “الهُدى“، وقد حَمِلَ العدد الأول من “جريدة الهدى“، الذي صدر صبيحة يوم الجمعة الموافق 6 يناير 1911، حاملًا في ترويسته، عنوانًا: “الهُدى، جريدة دينية أدبية تصدر كل أسبوع”؛ وكان شعارها، بعضًا من الآيات الكتابيّة التي جاءت في إنجيل البشير لوقا، والتي تقول: “لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ» (لوقا 1: 79)، وأيضًا ما جاء في رسالة تسالونيكي الثانية، “وَالرَّبُّ يَهْدِي قُلُوبَكُمْ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَإِلَى صَبْرِ الْمَسِيحِ» (2تسالونيكي 3: 5)؛ أمَّا قيمة اشتراكها السنوي تراوحت ما بين 15 – 25 قرش صاغ، وتولى إدارة تحريرها، القس توما فني، عن الإرساليّة الأمريكانيّة بالإسكندرية؛ حيث كانت المجلة تُحرر وتُطبع، في مطبعة جرجي غرزوزي في شارع فرنسا في الإسكندرية.
وقد استهلت الهدى مقالاتها بمقالة افتتاحيّة تحت عنوان “الفاتحة“، تُظهر تلك الافتتاحيّة تمسّكَ الكنيسة الإنجيليّة آنذاك بعروبتها، كما أنّها تؤكد على أنّ الكنيسة الإنجيليّة كانت تدرك، آنذاك، ضرورة التعبير عن إيمانها بطريقة قرينيّة[9]. وقد كُتِبَ فيها:

“الحمد لله ربّ الهدى، المانح لعباده المتقين الحكمة والحجى. المُنير بوحيّه الصادق حنادس الدجى، الحافظ مَن اتبع صراطه من الغواية والهوى. المُرشد المعتصمين بعروة إنجيله الوثقى، إلى محبته الوسطى. المُعلن حقه في إنجيل طاهر، تنزيل سماوي هو النور الباهر. المُدبر خلاصًا لجميع بني البشر، في مسيحه الإله المتأنس والإنسان البار المقتدر”.
“يُظهر هذا النص، بما لا يدع مجالاً للشك، وعيًا مستنيرًا بالقرينة العربيّة والإسلاميّة التي كانت، وما زالت الكنيسة تعيشها في الشرق الأوسط”[10]. وقد استمرت الهدى تصدر بانتظام أسبوعي حتى أنهت عامها الأول بإصدارها العدد الخمسين صبيحة يوم الجمعة الموافق 29 ديسمبر 1911، وكانت مقالتها الافتتاحيّة تحمل عنوانًا: “دعوة الاتحاد الإنجيلي العام لأسبوع الصلاة السنوي لعام 1912، من الأحد 7 يناير إلى السبت 13 منه“؛ كما اختتمت صفحات العدد الأخير منها بفهرسٍ أبجدي لموضوعات المجلة خلال السنة كافة.
تراوح عدد صفحات جريدة الهدى في عامها الأول ما بين 8 إلى 12 صفحة، ليشهد مجلد العام الأول لجريدة الهدى 412 صفحة، وقد لوحظ أن أعداد الجريدة كانت تحمل ترقيمًا سنويًا مستقلًا، حيث يبدأ ترقيم الأعداد بدءً من العدد الأول، وينتهي بالعدد الأخير في نفس السنة، وهكذا كان ترقيم الصفحات يحمل أرقامًا متسلسلة طوال العام، ليبدأ العالم التالي بالعدد الأول، والصفحة رقم (1)، فلم يكن لكل عددٍ ترقيمه الخاص به، وبصفحاته، كما اليوم.
هلَّ العام الثاني لجريدة “الهُدى“، فصدر عددها الأول يوم الجمعة 5 يناير 1912، وتوالت أعداد جريدة الهدى، لتنتهي بإصدار العدد الخمسين منها يوم الجمعة 20 ديسمبر 1912.
وتوالت السنوات، حتى بلغت عشر سنوات، وتوالت إصدارات جريدة “الهُدى“، حتى بلغت عدد إصداراتها أربعة مائة وتسعة وثمانون عددًا بإجمالي عدد صفحات بَلَغَ 5737 صفحة. هي حصيلة الرحلة العشريّة الأولى لجريدة “الهُدى“، والتي بدأت يوم الجمعة 6 يناير 1911، وصولًا ليوم الجمعة 31 ديسمبر 1920م.
الهدى وعقودٍ من الإصدار المُنتظم
بدأ العقد الثاني لجريدة “الهُدى“، بصدور العدد الأول يوم الجمعة 7 يناير 1921م، واستمرت رحلة جريدة “الهُدى” لتختتم عشريّتها الثانية بصدور العدد السابع والأربعين يوم الجمعة 26 ديسمبر 1930م، ليبلُغ إجمالي أعداد جريدة الهدى لهذه الفترة أربعة مائة وواحد وسبعون عددًا، بإجمالي عدد صفحات 6078 صفحة.
كان عام 1931م، هو بداية العقد الثالث لجريدة “الهُدى“، لكنَّ هذا العقد بدأ بانتظام أسبوعي في إصدارات جريدة “الهُدى“، فكانت حصيلة العام الأول من هذه العشريّة، 47 عددًا، ثم 34 عددًا في العام التالي، وفجأة أصبحت الجريدة تصدر مرة واحدة كل شهرٍ، وكأنَّها مجلة شهريّة، وكانت هذه السابقة الأولى في تاريخ جريدة “الهُدى“، واستمر هذا الحال لمدة ثلاثة أعوام متتاليّة، لتعود مع بداية عام 1936 للانتظام الأسبوعي، وقد شَهَد هذا العام أيضًا تَسَلُّم السنودس مسؤوليّة إدارة المجلتين (الهدى– نجم المشرق) من الإرساليّة الأمريكيَّة، وقد عبَّر كاتب ومحرر جولة الأسبوع في عدد 16 يناير 1954 على هذا الحدث بالقول: “وبالرغم من ثقل هذه المسئولية فقد قام السنودس بها ولا يزال مطمئنًا إلى رعاية وتعضيد الكنيسة والذين يعرفون شيئًا عن الصحافة يدركون متاعب القائمين بالأمر خصوصًا فيما يتصل بالصحافة الدينيَّة. ولكن المحرر لا يستطيع إلا أن يعترف بالفضل لذويه ممن أرسلوا نفثات أقلامهم ومن أرسلوا اشتراكاتهم ومعونتهم المالية وذكرت إشارة ذكرها المحرر في هذا العدد أن يتغير حجم المجلة وجعلها أوسع رحابًا حتى تتمكن من قبول أكبر كمية من نفثات أقلام الكتاب”، وبهذا تختم جريدة “الهُدى“، عِقدها الثالث بإصدارات إجماليّة وصلت لثلاثة مئة وثلاثة وأربعين عددًا بعدد صفحات 4460 صفحة.
أمَّا العقد الرابع، فقد شهد احتفاظ صدور الجريدة بشكلٍ أسبوعي، لكنَّها في الواقع كانت تصدر كل عددين في عددٍ واحد، مع الاحتفاظ بعبارة الترويسة “جريدة دينية أدبيّة تصدر بمصر كل أسبوع”؛ وعليه كان كل عددٍ يحمل أرقام عددين، لتحتفظ “الهُدى“، بتسلسل إصداراتها الأسبوعيّة، لتُنهي “الهُدى” هذه العشرية الرابعة بإصدار أربعة مئة وإثنين عددًا، بإجمالي 2953 صفحة.
جريدة الهدى وبدايات التَّحوُل إلى مجلة
مع بداية العقد الخامس لجريدة “الهُدى“، أي عام 1951م، تغيَّرت ترويسة الجريدة لتُعبر عن تغيُر في أعداد إصدار الجريدة، فمع احتفاظها بكونها جريدة أسبوعيّة، لكنَّها تُعلِن أنَّها تصدر بشكلٍ مؤقت كل أسبوعين؛ فنقرأ في ترويستها أنَّها: “جريدة دينية أدبيّة تصدر بمصر كل أسبوع، تظهر مؤقتًا كل أسبوعين“؛ وعليه انخفضت إصدارات الجريدة خلال هذه العشريّة، ليصبح العدد الإجمالي مئة وخمسة وثمانون عددًا، لكنَّها عوضت نقص الأعداد في زيادة صفحاتها لتصل إلى 4708 صفحة. كما شهدت هذه الفترة تغييرًا في قطع الجريدة لتصدر في القطع المتوسط.
مع بداية عام 1961م، تبدأ العشريّة السادسة لجريدة “الهُدى“، باحتفاظها بمُسمى “جريدة دينية أدبيّة تصدر بمصر كل أسبوع، تظهر مؤقتًا كل أسبوعين”، لكنَّها في الواقع صدرت بمعدل اثني عشر عددًا في السنة، ليكون إجمالي إصدارات الجريدة خلال هذه الفترة مئة وواحد وثلاثون عددًا بإجمالي عدد صفحات بلغ 3822 صفحة.
لكنَّ اللافت للنظر ظهور ترويسة جديدة على صدر العدد السادس من عام 1966م، تقول: “الهدى مجلة الكنيسة الإنجيليّة بوادي النيل“، وهُنا يُمكننا أن نلاحظ ثمة تغيرين جديدين حدثا على جريدة الهُدى، أول تغيير أنَّ “الهدُى” لم تعُد “جريدة أسبوعيّة”، بل أصبحت “مجلة شهريّة”، أمَّا التغيير الثاني، أنَّ “الهُدى”، أصبحت المجلة التي تُعبر عن الكنيسة الإنجيليّة في مصر والسودان، وهكذا استمرت هذه الترويسة حتى العدد التاسع من سنة 1976م، أي لمدة عشر سنوات وأربعة شهور كاملة.
الهدى مجلة شهريّة

يبدأ العقد السابع للهُدى، التي كانت جريدة أسبوعيّة، ثم أصبحت مجلة شهرية، لتحمل أعدادها خلال الست سنوات الأولى من هذه العشريّة أرقامًا ترتبط بأسماء شهور السنة الاثني عشر، وكعادتها في سالف السنوات السابقة، تبدأ الهدى كل عامٍ بترقيم يبدأ من العدد “1” وتتوالى الأعداد حتى أخر العام، وهكذا الصفحات، واستمرت هكذا حتى العدد الثاني الصادر في فبراير 1977، ثم فاجأنا عدد مارس من ذات السنة، برقمٍ جديد هو “795”، دون أي تفسيرٍ أو توضيح من الإدارة القائمة على تحرير مجلة الهدى آنذاك، عن سبب هذا التغيير، وعلى أي أساسٍ تم اختيار رقم “795” لتبني عليه ترقيمُها الجديد؟[11] على كل حالٍ، تمَّ البناء على هذا الرقم، وجاءت ترقيم الإصدارات الجديدة تالية على هذا الترقيم، لينتهي عام 1977، بعدد ديسمبر الذي يحمل ترقيم “804”، وكما حدث في تغيير ترقيم أعداد المجلة، حدث تغييرًا أيضًا في طريقة ترقيم صفحات المجلة، فلم تعد المجلة تتبع تسلسل أرقام صفحاتها عبر السنة، بل أصبح كل عددٍ يبدأ من الصفحة “1”، وقد شهدت هذه السنوات العشر عدد إصدارات بلغ مئة وخمسة عشر مجلة. ومنذ ذلك التاريخ تناقصت الأعداد المطبوعة من مجلة الهدى سنويًا، وإن حملت بعض الأعداد أرقامًا تُعبر عن كون المجلة المطبوعة اُغطي أكثر من شهرٍ.
ولكن إذ قد تتبعنا عزيزي القارئ رحلة “الهُدى“، منذ إطلاق العدد الأول منها في 6 يناير 1911م، وحتى عدد ديسمبر 2025؛ تلك الرحلة التي بلغت مئة وأربعة عشر عامًا، نجد أنَّ أعداد الهدى التي صدرت خلال تلك الفترة هو 3876 عددًا تاريخيًّا، أو 2489 عددًا فعليًا، وليس 1275 فقط كما جاء في ترقيم عدد ديسمبر 2025، وبهذا نكون قدَّمنا لك عزيزي القارئ، ولكل مهتمٍ بتأصيل وتوثيق التاريخ، سببًا واضحًا وكافيًا ليُجيب على سؤال: لماذا غيّرنا ترقيم الهدى في هذا العدد، بل دعنا نقول إننا حاولنا أن نعطي الهدى حقها، وقيمتها التاريخيّة من خلال ضبط وتأصيل أرقام إصداراتها. ولا يفوتنا أن ننوه أنَّ من رحِم “الهُدى” صدر عددٌ أخر من المجلات والصحف المتخصصة والمتنوعة، ولهذا الموضوع مقالٌ أخر.
رجالات حملوا لواء وإدارة الهدى عبر تاريخها
مما هو جدير بالذكر، أنّ رحلة الهدى عبر تاريخها وحتى الآن كانت تحت قيادة عشرة رؤساء تحرير، وأثني عشر مُديرًا لتحريرها، اذكرهم على التوالي، رؤساء تحرير الهُدى: الشاعر الأستاذ عطية شمس، الشيخ متري صليب الدويري، د. القس لبيب مشرقي، د. القس صموئيل حبيب، القس حبيب حكيم، د. وليم فرج، د. القس إكرام لمعي، القس رفعت فكري، القس نادي لبيب، د. القس صموئيل زكي.
أمَّا مُدراء تحرير الهدى، فهم: د. وطسن، القس توما فني، القس آدمس، د. هارفي فيلبس، إرل إلدر، د. القس لبيب مشرقي، د. القس صموئيل حبيب، القس حبيب حكيم، د. وليم فرج، الأستاذ أديب نجيب، د. القس نصرالله زكريا، القس أمير إسحق.
لقد كان في تتبع تاريخ جريدة/ مجلة “الهُدى” رحلة من الثراء المعرفي، والتاريخي، وريادة في العمل الإعلامي، يجب أن نقف ونُعطي “المجد لله وحده”، وأيضًا تقديم الشكر لرجالِه الذين استخدمهُم عبر رحلةٍ مُشرِقة ومشرّفة لجريدة/مجلة “الهُدى صوت الكنيسة الإنجيليّة في مصر“، والمُعبّرة عن آمال الكنيسة وآلامها، بل أنَّها صوتٌ رصدَ تاريخُ أمةٍ.
المراجع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] حيث أنَّ “الهدى” صدرت في الأصل كـ “جريدة دينيّة أدبية أسبوعيّة”، كان إجمالي الأعداد المفروض يتم طباعتها بداية من 6 يناير 1911م، وحتى الآن هو 3876، لكنَّ المطبوع الفعلي هو 2489، وهو ما يُمثِّل 65% مما كان يجب طباعته، لأنَّه لأسبابٍ خارجة عن إرادة إدارة الجريدة عبر تاريخها، لم تتمكن من طباعة 35% مما كان يجب طباعته، أي ما يزيد عن 1387 عددٍ لم يُطبع في وقته.
[2] فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربيّة، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2024. ص 73-86
[3] عالي سميث، كان قسًا مُرسلًا، جاء إلى بيروت، وكان يجيد اللغة العربيّة، وبعض اللغات القديمة بطلاقة، وهو مَن بدأ ترجمة الكتاب المُقدس الذي بين أيدينا الآن، ولكنَّه توفيّ عام 1857م، قبل إتمام مهمته في ترجمة الكتاب، فخَلَفه كرنيليوس فاندايك، وساعده في ذلك المُعلم بطرس البستاني، وقد أتمَّا ترجمة الكتاب المقدس كاملًا في عام 1865م.
[4] المعلم بطرس البستاني، أديبٌ لبناني، وموسوعي ومربي ومؤرخ دخل المدارس الوطنيّة، ألف أول موسوعة عربيّة سماها دائرة المعارف، كما اشترك البستاني أيضًا في إنجاز ترجمة الكتاب المقدس من اللغة الأصليّة بالكامل إلى اللغة العربيّة.
[5] تأسست جريدة “النشرة“، أولًا في بيروت، وذلك في عام 1863م، واستمرت حتى اليوم وهي تحمل نفس الاسم دون تغيير. وهي فيما يبدو تختلف عن جريدة “النشرة الإنجيليّة المصريّة“، التي أسسها وأصدرها تاليًا لذلك التاريخ، دكتور وطسن، وتحديدًا في 14 ديسمبر عام 1892م. حيث تولى رئاسة تحريرها الأستاذ عطية شمس.
[6] جاء في افتتاحيّة العدد الأول الصادر يوم الجمعة 1 يناير 1932، والتي كتبها كل من رئيس التحرير الشيخ متري صليب الدويري، ومدير التحرير د. هارفي فيلبس، أنَّ القس وطسن هو الذي أسس جريدة “النشرة الإنجيليّة المصريّة“، في أواخر 1892، وقالا: “نشكر الله الذي اعاننا كل هذه المدة وهدانا في طريقه لنعلن حقه وهداه للملا على صفحات هذه المجلة الأسبوعيّة خليفة المرشد خليفة النشرة الإنجيليّة وهذه قد بدأ بها الطيب الذكر المرحوم الدكتور وطسن يوم الأربعاء ١٤ ديسمبر سنة ۱۸۹۲م، وأصدرها كل خمسة عشر يومًا، وفي ٢٣ مارس سنة 1894 جعلها أسبوعيّة. وفي أول سنتها الثانية اسماها “المُرشِد“، وظلت تصدر بهذا الاسم وتحت إدارة حضرته حتى ١١ أكتوبر سنة ۱۹۰۷… وظلت المرشد تصدر بهذا الاسم حتى ١٢ اغسطس سنة ١٩١٠م، حين توقفت عن الظهور لأسباب لا محل لذكرها الأن، وفي ٦ يناير سنة ۱۹۱۱ عادت إلى الظهور تحت اسمها الحاضر “الهُدى“.
[7] تأسست جريدة الأهرام عام 1875، وصدر العدد الأول في 5 أغسطس 1876. تأسست في الإسكندرية من قبل الأخوين بشارة وسليم تكلا. بدأت كصحيفة أسبوعيّة، ثم أصبحت صحيفة يوميّة في يناير 1881. وكانت الجريدة تصدر السبت من كل أسبوع، ولها وكلاء في جميع الجهات وعددهم 22 وكيلًا في مِصر والشام والعراق وتركيا.
بلغ ثمن كل نسخة من الأهرام ذات “أربع صفحات” نصف فرنك، أي ما يُعادل تقريبًا أقل من قرشين أي 2% من الجنيه المصري حاليًا؛ وقد كان يتوسط “لوجو الأهرام” هرمان وفى منتصفهما أبو الهول، رابض تحت اسمها، ويعلو اسمها هلال تتوسطه نجمة ظاهرة، ويتصدر نهرها الأيمن افتتاحية العدد الأول.
وقد رأى أصحابها أن يختاروا اسما يناسب ما ستكون عليها من عظمة وشموخ، وشرحوا أسباب الاختيار في عددها الأول فقالوا: “بما أننا اخترنا تسمية جريدتنا هذه باسم أعظم أثر موجود في القطر المصري وفى سواه أيضًا، وهو الأهرام، رأينا من باب الإفادة أن ندرج في كل عدد بالاستقراء تاريخ هذا الأثر نقلًا عن أشهر المؤرخين المتأخرين الذين تكلموا فيه مدققين ليكون معلومًا عند كثيرين الذين إلى الوقت الحاضر نظروه وسمعوا عنه، لكنَّهم لم يدركوا تاريخه” ونشروا ” تاريخ الأهرام بالجيزة” على مدار خمسة أعداد”.
عن الموقع الإلكتروني: “بوابة الأهرام” https://gate.ahram.org.eg/News/3629231.aspx أُطُلِعَ عليه في 21 مايو 2025.
[8] الهدى، العدد الأول، السبت 16 يناير 1954.
[9] القس عيد صلاح، 140 عامًا على نشأة الصحافة الإنجيليّة مجلة الهدى تدخل عامها المائة لتكون واحدة من أعرق المجلات المسيحيّة العربيّة”، جريدة القاهرة، 30 مارس 2010م؛ وأيضًا: “الصحافة الإنجيليَّة ذاكرة الكنيسة والوطن الهدى نموذجًا دراسة توثيقيّة“. الهدى، العدد 1121، ديسمبر 2010م.
[10] د. القس وجيه يوسف، تطور اللغة العربيّة، المؤتمر الدوليّ الرابع للمخطوطات، مكتبة الإسكندريّة، مايو 2007م.
[11] هناك رأيٌ تفسيريّ حول سبب هذا التغيير الذي حدث في ترقيم أعداد “الهدى“، ربما رأى القائمون على إدارة وتحرير الهدى آنذاك، وانطلاقًا من اعتقادهم أنَّ الهدى مجلة شهريّة، وليست جريدة أسبوعيّة، وبالتالي فإنَّ إجمالي الأعداد الصادرة عنها تُحسب عن كل شهرٍ وليس عن كل أسبوع، فإذا حسبنا عدد السنوات والشهور منذ يناير 1911 وحتى مارس 1977، لذا فقد جاء الترقيم الدوري لعدد مارس 1977 يحمل رقم 795؛ مع أنَّه لو حُسِبَ الترقيم كجريدة أسبوعيّة لتخطى ترقيم عدد مارس 1977 ما يزيد عن الثلاثة آلاف.