حياة يسوعشخصيات

فتح فاه وعلَّم

أولًا: المُعلِّم

  1.  أطلق على المسيح لقب المعلم ولم يكن يطلق هذا اللقب إلا على النخبة المتميزة المحترمة من رجال الدين. ناداه تلاميذه ومستمعوه بالمعلم، حتى نيقوديموس، عضو السنهدريم (أعلى سلطة تشريعية في البلاد) حين جاء الى المسيح ليلًا قال له “يا معلم، نعلم أنك جئت من الله مُعلمًا، لأنه لا يقدر أحد أن يعمل ما تعمل من آيات إلا إذا كان الله معه” ” (يوحنا 3 : 2).
  2.  كان المسيح يطوف المدن كلها والقرى في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. تكلم بأمثال وقصص من واقع الحياة. قدم تعاليم ببساطة وسهولة ويسر وهو وسط الجموع يحيا ويعيش حياتهم بكل ظروفها وواقعها. وعمل أمامهم بما علّم وكان نموذجًا حيًا أمامهم. اراد كل من يسمع أقواله أن يعمل بها، وشبه من يعمل بمأقواله يسمع برجل حكيم بنى بيته على الصخر ، ومن لا يعمل بأقواله برجل غبي بنى بيته على الرمل. وحين ينزل المطر ويفيض النهر يبقى البيت المبني على الصخر صامدًا ويسقط البيت المبني على الرمل ويكون سقوطه عظيما (متى 7 : 24 – 27).
  3. يشمل الإنجيل تعاليم المسيح وأقواله التي قدمها أثناء حياته على الأرض. ويتساءل البعض أحيانًا عن الشريعة المسيحية والناموس الذي يخضع له المسيحيون. المسيح لم يقدم شريعة منقوشة على حجر مثل ناموس موسى لكنه أرسى في تعاليمه التي يحتويها الانجيل أساس السلوك المسيحي ومبادىء نعمة الله التي يجب أن يحيا ويسلك بها الإنسان.
  4. تكلم المسيح وعلم بسلطان حتى أن الجموع بهتت من تعليمه فلم يكن كالكتبة الذين تعودوا أن يسمعوهم. الله أعطى الناموس للشعب بموسى النبي أما المسيح فكان هو طريق النعمة والحق.

لأن الشريعة أعطيت على يد موسى، أما النعمة والحق فقد تواجدا بيسوع المسيح (يوحنا 1: 17) فالمسيح كان هو الكلمة وكان هو الرسالة وليس مقدم الكلمة وحامل الرسالة.

 ثانيًا: الموعظة على الجبل

  1. قدم المسيح التعليم طوال حياته وهو يسير في الطرقات ويأكل ويشرب ويصنع المعجزات، إلا أن متّى البشير جمع في الفصول الثلاثة الخامس والسادس والسابع من انجيله مجموعة كبيرة من تعاليم المسيح في أجمل وأعظم وأروع موعظة في التاريخ.
  2. لا تشمل الموعظة على الجبل عقائد لاهوتية، لكنها تضع أمامنا مبادىء روحية سماوية سامية لحياتنا العملية.
  3. سنتناول بالشرح تعاليم المسيح باختصار مبتدئين بما تشمله الموعظة على الجبل من مبادىء، ثم بعض ما قدمه أثناء حياته على الأرض. ولعلنا نستطيع مستقبلًا تناول ذلك بمزيد من التفاصيل. إفتح انجيل متى من الفصل الخامس إلى الفصل السابع.

 ثالثًا : التطويبـات (متى 5 : 3 ـ12)

  1.  الفقراء الأغنياء (متى 5 : 3). معنى كلمة ” طوبى ” هو أسمى درجات السعادة. ولم تكن السعادة حسب رأي غالبية الناس، من نصيب المساكين بالماديات، وهم الذين يشعرون بافتقارهم إلى الروحيات، الذين يسعون إلى الإمتلاء والغنى الروحي. مكافأة هؤلاء كما يقول المسيح هي ملكوت السموات* ( ملك السماء على الأرض.) السعادة والغبطة هنا ترجع إلى السعي للغنى الروحي، الذي أعده الله لهم في السماء.
  2. الحزانى الفرحون (متى 5 : 4) الحزن نوعان : حزن طبيعي ينتج عن خسارة أو فشل مادي، وحزن روحي ناتج عن خسارة أو فشل روحي. والشعور بالحزن الروحي مكافأته تعزية وفرح، لأنه أول الطريق نحو التوبة والنجاح الروحي. والمسيح يعد الحزانى بالروح، بالغفران الذي يمحو أحزان الماضي وبالتعزية والفرح في المستقبل.
  3. الودعاء الوارثون (متى 5 : 5). الوداعة في مفهوم عصرنا ضعف وهزيمة. الوديع يخسر دائمًا أمام سطوة القوي وتجبّر المستبد. أما في المفهوم المسيحي فهي نعمة يتحلى بها الانسان في صلته بالله يراها الناس في سلوكه الرقيق وتنازله عن حقه وقت النزاع. ويكافىء الله الودعاء بأن يجعلهم يرثون الأرض. ميراث روحي وميراث أرضي أيضًا هذا ما يعد به المسيح.
  4. الجياع يشبعون (متى 5 : 5). يحدد المسيح هنا الجياع والعطاش بالجياع والعطاش إلى البر. الجياع والعطاش الى المادة والشهرة والسلطان لايشبعون أبدًا، بل كلما أكلوا وشربوا كلما ازدادوا جوعًا وعطشًا. أما الذين يجوعون ويعطشون إلى البر والصلاح، فهم يسعون إلى الإمتلاء بالله مصدر كل بر وكل صلاح. هؤلاء يشبعون او يخلق الله في داخلهم ينبوعًا لا ينضب أو يجف.
  5. الرحماء يرحمون (متى 5 : 7) كان مظهر الحاكم في زمن المسيح هو مظهر القوة والاستبداد والنقمة والبطش، لهذا فوجىء المستمعون بهذا المبدأ الجديد الذي يعلنه ويحياه المسيح. يقول أمير الشعراء أحمد شوقي عن المسيح :ـ

  وُلِدَ الرفق يوم مـولـد عيـسى

                         والـمروءات والـعـدى والـحـياء

لا خصـــام لا صــولة لا انتقــام

                       لا حســـام، لا غــزوة، لا دمـــاء

رحمتنا للغير صدى لرحمة الله لنا وثواب الرحمة رحمة. فما يزرعه الانسان إياه يحصد أيضًا.

  6- أنقياء القلب (متى 5 : 8)، النقاوة هي القداسة والطهارة، وأنقياء القلب هم أصحاب القلوب الطاهرة المقدسة التي تحركهم لعمل ما هو طاهر ومقدس. والذين يتصفون بنقاوة القلب هم وحدهم الذين يعاينون الله الطاهر القدوس. مكافأتهم معاينة الله ورؤيته والشركة معه.

  7- صانعوا السلام (متى 5 : 8). لم يخلُ عصر على مدى التاريخ من الحروب والقتل والدمار. وفي كل عصر يصبو الناس نحو السلام. لكن من يصنع السلام ؟ وجاء المسيح رئيسًا للسلام، وأنشدت الملائكة عند مولده أنشودة السلام… المجد لله في الأعالي…. وعلى الأرض السلام. وصانع السلام لايسعى للخصام ويتصف بالتسامح ويعمل على مصالحة المتخاصمين معًا. ومكافأة صانعي السلام أنهم يدعون ابناء الله، إله السلام.

 8- المطرودون والمضطهدون (متى 5 : 9 ـ 12). يعلن المسيح أن كل من يواجه ظلمًا واضطهادًا من أجل البر ومن أجل المسيح لابد أن يُكافأ مقابل ذلك بتعويض من السماء. كل ظلم واضطهاد موجه ضد المؤمن هو في حقيقته موجه ضد الله ذاته. والله يدافع ويعين الذين يقاسون لأجله. ويوصي المسيح المضطهدين بالفرح والتهليل لأنه حتى الأنبياء من قبلهم واجهوا ما يواجهون.

  رابعًا: أبناء الإنجيل (متى 5 : 13 ـ 16)

الذين يتمتعون بالتطوبيات هم أبناء الإنجيل. وابناء الانجيل لهم امتيازات خاصة ذكرها المسيح في تعليمه. من تلك الإمتيازات أنهم:

  1- ملح الأرض.

  قال المسيح لتلاميذه: أنتم ملح الأرض. والملح يعمل في صمت وبدون ضجة أو صخب. الملح يملح في هدوء. يشعر بعمله من يتذوق الطعام الذي عمل فيه الملح. يريد المسيح من تلاميذه أن يعملوا في صمت ويشعر العالم بعملهم حين يرون اعمالهم.لاتنادون بما لاتعيشون الحياة قبل الكلام.

  والملح يذوب ليملح. يقدم ذاته للناس لينتفعوا به. يريد المسيح من تلاميذه أن يتصفوا بالتضحية. تقديم الذات للناس.

  والملح له وظيفتان:

 أ يحفظ من الفساد. ويريد المسيح من تلاميذه أن يحفظوا العالم من الفساد.وانتشار الشر.

  ب يكسب الطعام مذاقًا مستساغًا. وتلاميذ المسيح يكسبون العالم مذاقًا خاصًا.

  ويحذر المسيح من فساد الملح فإن فسد فما الذي يملحه ويصلحه. إن فسد الملح يطرح خارجًا، بعيدًا عن الله، ويداس من الناس.

  2- نــور العالــم

  مثل الملح. النور يعمل في صمت.. هكذا المؤمن لا يظهر لكن تظهر أعماله. والنور يضحي لينير. الشمعة تذوب والمصباح يحترق لينير. قال المسيح : أنا نور العالم. ويقول لتلاميذه : أنتم نور العالم. نورهم ليس نورًا ذاتيًا كنور الشمس، بل نورًا اكتسابيًا كنور القمر. وعليهم أن يكونوا قريبين منه ليستضيئوا بنوره، وبقدر ما يستنيرون ينيرون. لا يجب ان يقف عائق بينهم وبينه. يحدث الخسوف حين تتوسط الأرض بين الشمس والقمر. ويحدث الخسوف الروحي حين يتوسط العالم ومادياته بين المسيح والانسان. حذر المسيح ان يوضع السراج تحت المكيال فلا يضيء. المكيال رمز المادة والمطامع الدينوية، يخفي النور. وأوصى المسيح أن يضيىء نورنا قدام الناس ليروا أعمالنا الحسنة.ويمجدوا أبانا الذي في السموات لا يروننا نحن لا يمجدونا نحن.بل أبانا الذي في السموات.

 خامسًا : تلخيص

 عُرف المسيح بأنه المعلم. علم الجموع في كل مكان. وعمل بما علم. كان يتكلم بسلطان وليس كالكتبة. قدم الموعظة على الجبل التي احتوت مبادىء روحية سامية للحياة العملية. في الموعظة على الجبل تطويبات ثم امتيازات أبناء الإنجيل.

  سادسًا: دعاء

 ربي وسيدي.. أشكرك لأنك لم تتركني تائهًا شاردًا أبحث عن الحياة الفضلى والطريق المستقيم وحدي وسط متهات العالم وغيوم فلسفاته وتعاليمه الغريبة الغامضه، لكنك انرت أمامي السبيل بتعاليمك التي قدمتها لتلاميذك وللأجيال جميعها… ربي… ارجوك افتح قلبي وذهني لكلامك، وأنر بصري وبصيرتي.. أجعلني أحيا الحياة التي تريدها لي.. آمين

د. القس نصرالله زكريا

* تخرج في كلية اللاهوت الإنجيلية في القاهرة 1989م.
* سِيمَ قسًا وراعيًا للكنيسة الإنجيلية المشيخية في أبو حنس المنيا
* المدير التنفيذي لمجلس الإعلام والنشر
* مدير تحرير مجلة الهدى منذ عام 2006
* مؤسس موقع الهدى، وموقع الإنجيليون المشيخيون.
* له من المؤلفات ما يزيد عن أربعين كتابًا.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى